الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولتم تصميم الموقع بواسطه علاء عبد الواحد+Mr.MDVIP

شاطر | 
 

 الاعجاز البلاغى فى سورة يوسف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ربانيون
عضو
عضو


عدد المساهمات : 7
تاريخ التسجيل : 18/03/2010

مُساهمةموضوع: الاعجاز البلاغى فى سورة يوسف   السبت أبريل 10, 2010 4:12 pm

الاعجاز البلاغي
في قصة يوسف عليه السلام
تأليف : علي الطاهر عبد السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ
مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي
بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
صدق الله العظيم
يوسف111
يحسن قبل الولوج لعالم الإعجاز وخفاياه أن نبدأ مع القارئ الكريم من ناحية اللغة ؛ أي المعنى اللغوي للإعجاز ، فقد جاء في الصحاح أن العَجُزُ: مؤخَّر الشيء ، يؤنَّث ويذكَّر. وهو للرجل والمرأة جميعاً، والجمع " أعجاز".
والعَجيزَةُ، للمرأة خاصة. والعَجْزُ: الضعف، تقول: عَجَزْتُ عن كذا أعْجِزُ بالكسر عَجْزاً ومَعْجِزَةً ومَعْجَزَةً ومَعْجِزاً ومَعْجَزاً بالفتح أيضاً على القياس، وفي الحديث : "لا تَلِثُّوا بدارِ مَعْجَزَةٍ"، أي لا تقيموا ببلدة تَعجِزون فيها عن الاكتساب والتعيُّش ، وعَجَزَت المرأة تَعْجُزُ بالضم عجوزاً، أي صرت عَجوزاً. وعَجِزَتْ بالكسر تَعْجَزُ عَجَزاً عُجْزاً بالضم: عظمت عَجيزتُها ، قال ثعلب: سمعت ابن الأعرابيّ يقول: " لا يقال عَجِزَ الرجل بالكسر إلا إذا عَظم عَجُزُهُ " ، وأعْجَزَهُ الشيء: أي فاته ، وعجَّزت المرأة تعجيزاً أي صارت عجوزاً ، وورد في الكتاب لسيبويه شعراً :
…لقد رأيت عجبا مذ أمسا …عجائزاً مثل السعالي خمسا
والعجائز جمع عجوز ولا تقل عجوزة . (1)
والتَعجيزُ: التثبيط، وكذلك إذا نسبتَه إلى العَجْزِ ، والمُعجِزَة: هي مفرد مُعجِزات كمعجزات الأنبياء(2). أما لسان العرب فقد جاء به أن العَجْزُ: نقيض الحَزْم، يقال : عَجَز عن الأَمر يَعْجِزُ وعَجِزَ عَجْزاً فيهما ، ورجل عَجِزٌ وعَجُزٌ: عاجِزٌ ، ويقال: أَعْجَزْتُ فلاناً إذا أَلفَيْتَه عاجِزاً ، والمَعْجِزَةُ والمَعْجَزَة: العَجْزُ. قال سيبويه: هو المَعْجِزُ والمَعْجَزُ، بالكسر على النادر والفتح على القياس لأَنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الكتاب : سيبويه : تحقيق عبد السلام هارون ، مصر ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، دط ، 1973، الجزء الثالث ص 285
2 - الصحاح : إسماعيل بن حماد الجوهري ، مادة عجز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر، والعَجْزُ: الضعف، تقول: عَجَزْتُ عن كذا أَعْجِز، وفي القرآن : ? فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ
قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ
أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ? (1)وفي حديث عمر: ولا تُلِثُّوا بدار مَعْجِزَة ؛ أَي لا تقيموا ببلدة تَعْجِزُون فيها عن الاكتساب والتعيش، والمَعْجِزَةُ بفتح الجيم وكسرها، مفعلة من العَجْز: أي عدم القدرة، وفي الحديث: (( كلُّ شيءٍ بِقَدَرٍ حتى العَجْزُ والكَيْسُ ))، وقيل: أَراد بالعَجْز ترك ما يُحبُّ فعله بالتَّسويف وهو عامّ في أُمور الدنيا والدين (2) .
وفي أساس البلاغة يقول الزمخشري : وعَجَزَ فلانٌ عن العمل إذا كبر. وقال الأخطل:
وأطفأت عني نار نعمان بعدما أعد لأمر عاجز وتجرّدا
أي لأمر شديد يعجز صاحبه ، أراد النعمان بن بشير الأنصاريّ (3) .
وقال المتنبي :
يَرى الجُبَناءُ أَنَّ العَجزَ عَقلٌ وَتِلكَ خَديعَةُ الطَبعِ اللَئيمِ
وقال أيضاً :
وَإِذا لَم يَكُن مِنَ المَوتِ بُدٌّ فَمِنَ العَجزِ أَن تَكونَ جَبانا
والعَجْز أصلُه التَّأَخُّر عن الشيءِ وحُصولُه عند عَجُزِ الأمر أي مُؤخّره ، وصار في العُرْف اسماً للقُصور عن فِعلِ الشيءِ وهو ضِدُّ القُدْرة ، ويقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- المائدة 31
2- لسان العرب : ابن منظور ،القاهرة ، دار الحديث ،دط ،2003م مادة عجز
3- أساس البلاغة:جار الله أبو القاسم الزمخشري.بيروت،دار صادر دط ، دت ، مادة عجز
عَجَزَ عن الأمرِ وعَجِزَ، يَعْجِز ويَعْجَز عَجْزَاً وعُجوزاً وعَجَزاناً، فهو عاجزٌ، من قومٍ عَواجِز، قال الصَّاغانِيّ: وهُذَيْل وَحْدَها تَجْمَع العاجِز من الرجال عَواجِز، وهو نادر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد أَكثَر الأُدباء من جَمع المعاني الخاصة بمادة عجز ؛ فقد نظمت قصائدَ كثيرة منها قصيدةٌ للشيخ يوسف بن عِمْرانَ الحَلَبيّ يَمدَحُ قاضِياً ، جمع فيها معاني مختلفة لمادة عجز، وإن كان يظهر في بعض تراكيبها تَكَلُّفُ إلا أنها جمعت فأوعت ، نوردها لتبيان عبقرية العرب في النظم ، وسعة اللغة العربية ، والقصيدة هي :
لِحاظٌ دونها غُولُ العَجُوزِ … وشَكَّتْ ضِعْفَ أَضعافِ العَجُوزِ
(الأُولى المنية)
(الثانية الإبرة)
لِحاظُ رَشاً لها أَشْراكُ جَفْنٍ … فكَم قَنَصَت مِثالي من عَجُوزِ
(الأَسَد)
وكَم أَصْمَتْ ولم تعرِف مُحِبّاً … كما الكُسَعِيُّ في رَمْيِ العَجُوزِ
(الخمر)
وكمْ فتَكَتْ بقلبي ناظِراه … كما فتكَتْ بشاةٍ من عَجُوزِ
(الذئب)
وكم أَطفَى لَمَاهُ العَذْبُ قَلْباً…… أَضَرَّ به اللَّهيبُ من العَجُوزِ
(حِمار الوَحْش)
وكم خَبَلٍ شَفَاهُ اللهُ منه … كذا جِلْدُ العَجُوزِ شِفَا العَجُوزِ
(الأَوَّل الضَّبُع)
(الثاني الكَلَب)
إذا ما زارَ نَمَّ عليه عَرْفٌ … وقد تَحْلُو الحَبائِبُ بالعَجُوزِ
(النَّميمة)
رَشَفْت من المَراشِف منه ظَلْماً… أَلَذَّ جَنىً وأَحْلَى من عَجُوزِ
(نوع من التَّمر)
وجَدْتُ الثَّغْرَ عندَ الصُّبْحِ منه شَذاهُ دُونَه نَشْرُ العَجُوزِ
(المسك)
أَجُرُّ ذُيولَ كِبْرٍ إنْ سَقانِي براحَتِهِ العَجُوزَ على العَجُوزِ
(الأَول الخمر) و (الثاني المَلك)
برُوحِي مَنْ أُتاجِرُ في هَواه … فَأُدْعَى بينَ قَومِي بالعَجُوزِ
(التَّاجِر)
مُقِيمٌ لَمْ أَحُلْ في الحَيِّ عنه … إذا غَيري دَعَوْه بالعَجُوزِ
(المُسافِر)
جَرَى حُبِّيه مجرى الروح منّي … كجَرْيِ الماءِ في رُطَبِ العَجُوز
(النَّخْلَة)
وأَخرَسَ حُبّه منّي لِسانِي…… وقد أَلْقَى المَفاصِلَ في العَجُوزِ
(الرَّعشة)
وصَيَّرَنِي الهَوَى من فَرْطِ سُقْمِي…… شَبيهَ السِّلْكِ في سَمِّ العَجُوز
(الإبرة)
عَذُولِي لا تَلُمْنِي في هَواه…… فلستُ بسامِعٍ نَبْحَ العَجُوزِ
(الكلب)
تَرُومُ سُلُوَّهُ منِّي بجهْدٍ… … سُلُوِّي دُونَه شَيْبُ العَجُوزِ
(الغُراب)
كلامُكَ باردٌ من غَير مَعنىً… … يُحَاكِي بَرْدَ أَيّام العَجُوز
(الأَيّام السبعة)
يَطوفُ القلْبُ حَولَ ضِياهُ حُبّاً…… كما قد طافَ حَجٌّ بالعَجُوزِ
(الكعبة شرَّفها الله تعالى)
لهُ من فوقِ رُمْحِ القَدِّ صُدْغٌ…… نَضيرٌ مثلُ خافقَةِ العَجُوزِ
(الراية)
وخَصْرٌ لم يزَلْ يُدعى سَقيماً…… وعن حَملِ الرَّوادِفِ بالعَجوز
(مبالغة في العاجز)
بلَحْظِي قد وَزَنْت البُوصَ منه…… كما البيضاءُ تُوزَنُ بالعَجُوز
(الصنْجة)
كأَنَّ عِذارَهُ والخَدَّ منه…… عَجُوزٌ قد تَوارَتْ من عَجُوزِ
(الأَوَّل: الشّمس) و (الثاني: دارَة الشَّمس)
فهذا جَنَّتي لاشَكّ فيه…… وهذا نارُه نارُ العَجُوزِ
(جهنَّم)
تَراهُ فوقَ وَرْدِ الخَدِّ منه… عَجُوزاً قد حَكَى شَكْلَ العَجُوز
(الأَوَّل: المسك) و (الثاني: العقرب)
على كُلِّ القُلوبِ لهُ عَجُوزٌ… كذا الأَحباب تَحْلُو بالعَجُوزِ
(التحكم)
دُمُوعِي في هَواهُ كنِيلِ مِصْرٍ وأَنفاسِي كأَنْفاسِ العَجُوز
(النَّار)
يَهُزُّ من القَوامِ اللَّدْنِ رُمْحاً ومن جَفْنَيْه يَسْطُو بالعَجُوزِ
(السيف)
ويَكْسِرُ جَفْنَه إنْ رامَ حَرْباً كّذاكَ السَّهمُ يفْعَلُ في العَجُوز
(الحرب)
رَمَى عن قوسِ حاجِبِه فُؤادِي بنَبْلٍ دُونها نَبْلُ العَجُوزِ
(الكنانة)
أَيا ظَبْياً له الأَحْشا كِناسٌ ومَرْعَىً لا النَّضيرُ من العَجُوزِ
(النَّبات)
تُعَذِّبُني بأَنواع التَّجافِي ومِثلِي لا يُجَازَى بالعَجُوز
(المعاقبة)
فقُرْبُكَ دُونَ وَصْلِكَ لي مُضِرٌّ كذا أَكلُ العَجُوز بلا عَجُوزِ
(الأَوَّل: النَّبْت) و (الثَّاني: السَّمْن)
وهَيْفا من بناتِ الرُّومِ رُودٍ بعَرْفِ وِصالِها مَحْضُ العَجُوزِ
العافية
تَضُرُّ بها المَناطِق إنْ تَثَنَّتْ ويُوهِي جِسْمَها مَسُّ العَجُوزِ
(الثَّوب)
عُتُوّاً في الهَوَى قَذَفَت فُؤادِي فمَنْ شامَ العَجُوزَ من العَجُوزِ
(الأَوَّل: النَّار)
(الثاني: السِّنور)
وتُصْمِي القَلْبَ إنْ طَرَفَتْ بطَرْفٍ بلا وَتَرٍ وسَهْمٍ من عَجُوزِ
(القوس)
كأَنَّ الشُّهْبَ في الزَّرْقا دِلاصٌ وبَدْرُ سَمائِها نَفسُ العَجُوزِ
(التُّرْس)
وشَمْسُ الأُفْقِ طَلْعَةُ مَنْ أَرانا عَطاءَ البَحْرِ منه في العَجُوز
(الكَفّ)
تَوَدّ يَسَارَه سُحْبُ الغَوادِي وفَيْضُ يَمِينِه فَيْضُ العَجُوزِ
(البحر)
أَجلُّ قُضاةِ أَهلِ الأَرضِ فَضْلاً وأَقْلاهُمْ إلى حُبِّ العَجُوزِ
(الدُّنيا)
كمال الدِّين لَيْثٌ في اقْتِناصِ الْ مَحامِد والسِّوَى دونَ العَجُوزِ
(الثعلب)
إذا ضَنَّ الغَمامُ على عُفاةٍ سَقاهُمْ كَفُّه مَحْضَ العَجُوزِ
(الذهب)
وكَمْ وضَعَ العَجُوزَ على عَجُوزٍ وكم هَيّا عَجُوزاً في عَجُوزِ
(الأَوَّل القِدر)
(الثاني المنصب الذي. توضع عليه)
(الثالث الناقة)
(الرابع الصفحة)
وكَمْ أَرْوَى عُفاةً من نَداهُ وأَشْبَعَ مَنْ شَكا فَرْطَ العَجُوزِ
(الجوع)
إذا ما لاطَمَتْ أَمْواجُ بَحْرٍ فلم تَرْوَ الظُّماةُ من العَجُوز
(الركيَّة وهي البئر)
أَهالي كلّ مِصْرٍ عنه تثْنِي كذا كُلُّ الأَهالي من عَجُوزِ
(القرية)
مَدَى الأَيّامِ مُبْتَسِماً تَراهُ وقد يَهَبُ العَجُوزَ من العَجُوزِ
(الأَوَّل الألف) و (الثاني البقر)
تَرَدَّى بالتُّقَى طِفلاً وكَهْلاً وشَيْخاً من هَواهُ في العَجُوزِ
(الآخرة)
وطابَ ثَناؤُهُ أَصلاً وفَرْعاً كما قد طابَ عَرْفٌ من عَجُوزِ
(المسك)
إذا ضَلَّتْ أُناسٌ عن هُداها فيَهْدِيها إلى أَهْدَى عَجُوزِ
(الطريق)
ويَقْظانَ الفُؤادِ تَراهُ دَهْراً إذا أَخَذَ السِّوَى فَرْطُ العَجُوزِ
(السَّنَة)
وأَعظَمَ ماجِدٍ لُوِيَت عليه ال خَناصِرُ بالفضائل في العَجُوزِ
(الشمس)
أَيا مَولىً سَما في الفضلِ حتّى تَمَنَّتْ مثلَه شُهُبُ العَجُوزِ
(السماء)
إذا طاشَتْ حُلومُ ذَوِي عُقولٍ فحِلْمُكَ دُونَه طَوْدُ العَجُوزِ
(الأَرض)
فكَمْ قد جاءَ مُمْتَحِنٌ إليكُم فأُرْغمَ منه مُرتَفِعُ العَجُوزِ
(الأَنف)
إلى كَرَمٍ فإنْ سابَقْتَ قَوْماً سَبقْتَهمُ على أَجْرَى عَجُوزِ
(الفرس)
ففَضْلُكَ ليسَ يُحْصِيه مَديحٌ كما لم يُحْصَ أَعْدادُ العَجُوزِ
(الرمل)
مكانَتُكُم على هامِ الثُّرَيّا ومَنْ يَقلاكَ راضٍ بالعجوز
( الصومعة)
رَكِبْتَ إلى المَعالي طِرْفَ عَزْمٍ حَماهُ الله من شَيْنِ العَجُوزِ
( العرج) (1)
نخرج من ذلك كله بأن العجز هو عدم القدرة على الفعل ، وما يخص القرآن هو العجز عن الإتيان بمثله ، ومسايرة نظمه وتراكيبه ، ومجاراة أسلوبه البديع .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- تاج العروس من جواهرالقاموس : السيد محمد مرتضى الزبيدي ، بيروت ، دار صادر ، دط ، 1966م مادة عجز
الإعجاز القرآني :
يعدُّ القرآن الكريمُ بالإجماع معجزة النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم الكبرى ، وإن كان قد أُيِّد بمعجزات كثيرةٍ ؛ غير أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة ، وأحوال خاصة ، أما القرآن الكريم فهو للناس عامة ، وفي كل وقت وحين ، فعن أبي هريرة قال : قال الني صلى الله عليه وسلم :
? ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أُتيت وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ? (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد حمل القرآن دعوة التحدي إلى الناس عامة ، وإلى العرب خاصةً وقت نزول القرآن الكريم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن ، أو بعشر سورٍ مثله مفتريات ، أو بسورة من مثله ، فقال عز وجل : ?قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ? (2) وقد تحداهم بأن يأتوا بعشر سورٍ فقال تعالى : ?أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ? (3) ، أما من حيث التحدي بالإتيان بسورة من مثله فقد قال عز وجل : ?وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ
النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ?(4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- رواه البخاري
2- الإسراء 88
3- هود 13
4- البقرة 23-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولم تقف دعوة التحدي عند العربِ خاصة،أو غيرهم، بل تعدت إلى الثقلين " الإنس والجن "عامةً ، وذلك في قوله تعالى : ?قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا? (1) وقد نتج عن هذا التحدي عجز العرب وغيرهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن ، أو بعشر سورٍ مثله ، أو بسورة مثله ، وعلى الرغم من تسليم العرب بالعجز في حينه فإن الوقوف على الجهة التي كان فيها الإعجاز القرآني أمراً لم تلتق عنده الآراء ، ولم يكن محل اتفاق بين العلماء والباحثين والناظرين في وجوه الإعجاز في كل مكان وزمان ، فثمة آراء في الجهة أو الجهات التي كان بها القرآن معجزاً ، وليس ذلك شأن معجزات سائر الأنبياء ؛ إذ كل معجزة كانت تنادي بوضوح معلنةً صفتها التي أعجزت بها ، وتشير بصراحة إلى الجهة التي جاء منها الإعجاز، فيعلم الناس حينذك ماذا في المعجزة من دلائل الإعجاز،وما فيها من القوة الظاهرة والقاهرة التي لا يتسنى لهم القيام بها (2) . ويرى المتدبر في قصة موسى عليه السلام أن معجزة يده تتمثل في أنها مثل أيدي الناس ، لحم ودم وعظم وعصب ، لا تختلف مطلقاً عن أيدي البشر ، إلا أن هنالك قدرة لا تُرى ، هي قوة الله عز وجل التي تمد موسىعليه السلام بهذه المعجزات ، وليست يده ، والأمر نفسه في عصاه ؛ إذ هي في حد ذاتها مجرد عصا ، مثل أي عصا أخرى ، لا تخرج عن صفات العصي ، ولكنها في يده تفعل الأعاجيب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كذلك النبي عيسى عليه السلام ، يهتف بالميت فيحيا ، ويشير إلى الأكمه أو الأبرص فيشفى ، وليس في صورة الذي يهتف به شيء مخالف لباقي الأصوات المعروفة للناس ، بل هي مجرد كلمات تُنطق من فمه عليه السلام ؛ فإذا هي حياة ، وإذا هي روح تسري في ميت فتحييه ؛ إذن هناك قوة قادرة قاهرة لا تُرى قد جعلت لهذه الكلمة وتلك الإشارة هذا الشأن والأمر العجيب المعجز . أما القرآن الكريم فشأنه غير هذا الشأن ، وأمره على خلاف هذا الأمر؛فهو كلمات وألفاظ وعبارات،لا تختلف عما ألفه الناس مما يجري على ألسنتهم من كلام هو مما كان يدور على ألسنة العرب،ومما يصاغ منه نثرُهم ونظمهم من خطب وحكم وشعر ورجز ، فقد قال الله تعالى: ? نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ*بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ? (1) وقال جل جلاله أيضاً:? إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ?(2).وقال تعالى أيضاً:? وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا? (3) ، وقال:? قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ?(4)،ثم إن هذه الكلمات التي عرفت بالقرآن والتي تحدى بها الرسول الكريم العرب جميعاً،ثم الإنس والجن قاطبة،هذه الكلمات لها ما كان لكلمة عيسى عليه السلام حين كان ينطق بها؛ فتجد معجزةً قاهرةً يشهدها الناس ويرونها رأي العين ،
ولها ما لعصا موسى عليه السلام من تغير وتحولٍ (5) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن القرآن الكريم ليس له تلك المخلوقات العجيبة والمجسدة ليومهن ، وليست بالمعجزات التي تخرج في وقتها فيكون عمرها عمر ذلك الوقت ، ومن ثم لا يُعرف لها مكان ولا وجود ، فأين كلمات عيسى عليه السلام التي يحي بها الموتى ، وأين عصا موسى عليه السلام وأين يده ، لقد أدتا دورهما في الحياة ثم لم يعد لهما وجود ؛ فكلمات القرآن لم تخلق شيئاً من تلك الصور المعجزة ، شأنهن شأن الكلام المألوف الذي يجري على ألسنة الناس ، ولقد جعلهن الله يجرين على الألسنة إلى يوم القيامة ، لا تتغير صورهن ولا تتبدل بل يظللن هكذا ؛ كلامٌ مما يتواصل به الناس ، ويتعاملون به ، وينظمون أشعارهم ويؤلفون خطبهم ، كما كان شأن هذا الكلام قبل أن ينزل القرآن على نبينا الكريم عليه أفضل صلاة المصلين(1) .
غير أن هذا الكلام المألوف المعروف على ألسنة العرب حين ضمه القرآن إليه ، وجاءت آياته منه ، وجاءت عليه أحكامه وقصصه وجدله ومواعظه وزواجره قد أصبح منذ ذلك الوقت معجزة قاهرة ، تتحدى الناس جيلاً بعد جيل وأمة بعد أمة ، قال تعالى:? فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ? (2)،ومع أن اللغة لغتهم والحديث حديثهم والألفاظ هي نفسها التي يتلفظون بها،إلا أنه قد عجز أكثرهم بلاغة،وأفصحهم لساناً؛فلم يأتوا بآية واحدة (3). ولكن أين المعجزة في هذا الكلام ؟ وما الذي يبدو للناس منها ؟ وكيف يضع الناس أيديهم على المعجزة ، ويرفعون أبصارهم إليها ؟ ، لا تُرى
بالعين ولا تُلمس باليد ، ولم يخرج من هذا الكلام ما يراه الناس بأعينهم ، ولم
لمسوه بأيديهم، بل على الناس أن يسمعوا لهذا الكلام ، ويتدبروا آياته ، وعندئذٍ يرون ببصائرهم لا أبصارهم كل آية معجزة قاهرة،تخضع لها الرقاب ، وتُذهل بها العقول ،قال الله تعالى : ? كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ? (1)، فما بين هذا التدبر من قوله تعالى" ليدبروا" وبين التذكر من قوله تعالى " وليتذكر " معجزة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وإعجاز القرآن ؛ فالعقل يدعو للكشف عن الحق الذي جاء به القرآن ، وعن الإعجاز الذي ضمته آياته وكلماته قال الله تعالى : ? إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ?(2) ، وقال جل جلاله : ? وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ? (3) .
إنها آيات معجزات وما يتعرف عليها ويعقلها ، ويتعرف على موطن الإعجاز بها إلا العالمون ، الذين يلقون أسماعهم إليها ويفتحون قلوبهم وعقولهم للحق الذي فيها ، والنور الذي معها (4) ، إن القرآن الكريم لا يتفاوت ولا يتباين عجيب نظمه وبديع تأليفه على تعدد وجوهه ، من ذكر قصصٍ وحكم وأحكام ووعيد وأخلاق كريمة وغير ذلك ، خلافاً لهذا نجد كلام البليغ والشاعر المفلق يختلف على حسب هذه الأمور ، فمن الشعراء من يجيد المدح
دون الهجاء ، ومنهم من يجيد الشعر الغزلي ولا يجيد الفخر والحماسة وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب (5) ، وينطبق هذا الكلام على الخطب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ان شاء الله ................. قريبا ............. الجزء الثانى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الاعجاز البلاغى فى سورة يوسف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: اسلاميات :: الاعجاز العلمي في القرأن-
انتقل الى: